هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

هل يجب علينا أن ندين الطائفة العلوية على الإجرام الذي يحدث في سوريا؟

أكاد أجزم أن هذا السؤال يخطر على بال كل سوري بغض النظر عن مشربه الديني أو القومي ولكن كل واحد يسأله للأسباب الخاصة به.
حتى العلوي يسأل نفسه هذا السؤال
لكن هل هذا السؤال سؤال صالح أم فاسد؟
يعني هل من العقل والمنطق طرح مثل هذا السؤال من الأساس؟

نحن هنا نتكلم عن أناس ينتمون إلى طائفة لها منظومة فكرية ثقافية خاصة بها يمكننا تجاوزا أن نسميها دينا أو فرقة أو مذهبا فكريا أو سمه ماتشاء لكننا لانتكلم عن مؤسسة أو منظمة لها منظومة إدارية وتنظيمية وهيكلية وظيفية تجمعها

كيف تعامل القرآن مع مفهوم الطائفة؟ هل تعامل معها ككيان واحد متكامل له ماله وعليه ماعليه أم مع الطائفة كأفراد يشتركون في إطار فكري واحد

نلاحظ أن الله عندما تكلم عن مفهوم الطائفة فرق بين الإطار الفكري الجامع "الطائفة" وبين العمل الذي يقوم به أفراد الطائفة حيث قال الله تعالى:
وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما

الله تبارك وتعالى ثنى مفرد طائفة فقال طائفتان أي من ناحية الإطار الفكري الطائفة كيان واحد، ولكن عندما تكلم عن العمل والذي هو القتال قال "اقتتلوا" أي أفراد من هذه الطائفة تقاتلوا مع أفراد من الطائفة الأخرى

هنا واضح أن المسؤولية فردية فكل من يقوم بفعل القتال مسؤول عن عمله وليس كل من ينتمي إلى هذه الطائفة

هذا من جهة.

أما من جهة أخرى فالإدانة لها مستويات متعددة وليس مستوى واحدا حسب طبيعة العمل.
العمل هنا نقصد به الظلم والذي يتمثل باعتداء أفراد على أفراد آخرين في المجتمع

فهناك الصمت على الظلم وهو عمل اعتدائي سلبي لأن نصرة المظلوم واجب على القادر على رد الظلم
وهناك التحريض على الظلم بحيث يقوم أفراد من طائفة بشحن نفوس أفراد طائفتهم على أفراد طائفة أخرى. ففي النهاية تأثير العمل يقع على أفراد ويتأذى منه أفراد
وهناك العمل (الفعل) العدائي الذي ينتج الظلم وهذا أيضا يقوم به أفراد من طائفة ضد أفراد طائفة أخرى فيقع الظلم على هؤلاء الأفراد

ومن جهة ثالثة هناك أشكال للإدانة. فهناك الإدانة الأخلاقية وهناك الإدانة الجنائية
فكل عمل كان صمتا عن ظلم أو تحريضا عليه أو عملا عدائيا فيجب أن يدان بأول وجه وهو الإدانة الأخلاقية ولكن إذا كان تحريضا أو اعتداءا ماديا فتضاف إليه الإدانة الجنائية.

ولكن في جميع حالات الإدانة لايمكن إدانة طائفة وإنما أفراد. لأن الطائفة هي مفهوم معرفي ثقافي وليس مفهوما قانونيا يخضع للمحاكمة. فلم يحدث في مجتمع العقلاء أن تمت محاكمة طائفة جنائيا بكونها طائفة

فالمسؤولية أولا وأخيرا مسؤولية فردية ولاتزر وازرة وزر أخرى

مماسبق نجد أن السؤال الذي تم طرحه في أول المقالة هو سؤال غير صالح. فلا يمكن إدانة الطائفة بمفهومها المعرفي الثقافي ولكن نستطيع أن ندين الأعمال التي قام بها أفراد من هذه الطائفة، إدانة أخلاقية كانت أم جنائية.

فمن العدل والإنصاف تحديد المسؤول عن العمل بصفته الفردية وتقديمه للعدالة لكي يتم الاقتصاص منه

لكن لحظة من فضلك
إليس العمل فعل يؤديه الإنسان بلسانه ويده ورجله وهو صادر عن فكر وقر في العقل وتشربته النفس مع الزمن من البيئة؟
نعم هو كذلك
فهل نستطيع أن ندين الفكر العلوي؟
أيضا هذا السؤال يحتاج لتفصيل فالفكر ليس موجات مكثفة على شكل ذرات أو جسيمات مادية تمشي على الأرض وإنما هو أنماط معرفية موجودة في العقل ويؤمن بها أفراد الطائفة العلوية
هذه الأنماط يطلق عليها اسم تيار إذا كان عدد معتبر من الناس يحملونها
عند دراسة هذه الأنماط نلاحظ أنها متعددة وليست نمطا واحدا بحيث تتراوح بين قمة الإنسانية والاعتدال وقاع الوحشية والتطرف
فهناك التيار الفكري الإنساني الذي يدعو إلى الحرية والكرامة للإنسان والمساواة والعدالة
وهناك التيار الفكري الصامت الذي مبدؤه في الحياة: لاأسمع لاأرى لاأتكلم وأنا مالي دخل
وهناك التيار الفكري الأيديولوجي الذي يدعو لإنهاء الطرف الآخر بالسجن والقتل والتشريد والنفي
وهناك التيار الفكري الأيديولوجي المتعصب الذي يعمل على إنهاء الطرف الآخر

وكل أتباع هذه الأنماط أيضا في النهاية أفراد يصدر كل واحد منهم عن الفكر الذي يحمله. أي المسؤولية فردية

في هذه الحالة نستطيع بل واجب علينا أن ندين التيار الفكري الفاسد والمنحرف وواجب علينا أن نمدح ونشجع التيار الفكري الصالح والسوي

لكن لحظة أخرى من فضلك

هذه التيارات الفكرية ليست حكرا على العلويين وإنما كل أتباع الطوائف الأخرى موزعون على هذا الطيف من التيارات وإن اختلفت نسب التوزيع

فعند السنة نجد هذه التيارات وتوزع أهل السنة عليها
وعند المسيحية واليهود
وعند الدروز والاسماعيلية
وعند الأزيدية وغيرهم من الأديان
كذلك عند الأكراد وعند العرب وعند الترك وغيرهم من الأعراق

إذا التيارات السوية والمنحرفة ليست حكرا على العلوية فقط

من كل ماسبق نستخلص أن إدانة طائفة كاملة على إجرام أفراد منها قلوا أو كثروا وبغض النظر كان هذا الإجرام منظم أم غير منظم هو من باب التعميم الفاسد الذي لايقره عقل ولادين. وأن إدانة التيار الفكري الفاسد هو واجب كل إنسان سوي

وعليه فإن الدعوات لإدانة الطائفة العلوية بالعموم هي كلمة باطل تزيد في الباطل ويستشري بسببها الشر المحدق بالسوريين
ومن أراد أن يدين حقا فليدن العمل الإجرامي الذي يقوم به السوريون الذين يحملون فكرا منحرفا بغض النظر من أي طائفة كانوا أو عرق أو لون. وليدن التيار الفكري المنحرف الموجود في كل الطوائف

تعليقات