متى بدأت الثورة السورية

لقد تخيلت كيف أن الصحابة الكرام اجتمعوا على عهد عمر بن الخطاب لكي يحددوا بداية التأريخ الهجري حيث اختاروا عام الهجرة كبداية ولم يختاروا أعوام حدثت فيها إرهاصات النبوة كميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام مثلا ولم يختاروا كذلك عام البعثة أو عام الجهر بالدعوة أو عام بدء الحصار في الشعب أو عام فك الحصار أو أو أو. ولم نجدهم تعصبوا لرأي دون رأي وإنما توافقوا على رأي راجح صدر عن عقل راجح وهو عقل سيدنا عمر رضي الله عنه.

إن الآراء تختلف في بداية التأريخ للثورة السورية المباركة فمن قائل إنه يوم اعتقال طل الملوحي وآخرون من درعا يقولون إنه اليوم الذي بدأ فيه التنسيق السري لمحاربة المد الشيعي الذي بدأ يستشري في حوران (كان هذا التنسيق سنة 2010) ومن قائل إنه في عام 2008 عندما بدأ بشار بالاعتقالات المكثفة لكثير من المعارضين، ويأتينا أناس يقولون إنه في اليوم الذي تلا فيه علي العبدالله بيان الإخوان المسلمين أمام مؤتمر لإعلان دمشق متحديا فيه السلطات وكسر فيه حاجز الخوف، وسوف يأتينا حمصي يقول إنه في اليوم الذي تم فيه اعتقال سهير الأتاسي عندما خرجت في اعتصام صامت أمام السفارة الليبية في دمشق تأييدا للثورة الليبية متحدية فيه النظام وكسرت جدار الخوف، أو أنه اليوم الذي دعا فيه غسان النجار من حلب ليوم الغضب في الرابع والخامس من فبراير. أو أنه اليوم الذي نادى فيه شباب الحريقة في دمشق الشعب السوري مابينذل متحدين النظام في جرأة نادرة. ويأتي إخواننا الأكراد ليقولوا لنا إنه اليوم الذي قتل فيه الشيخ الخزنوي أو أحداث القامشلي سنة 2004 أو 2005 (لاأذكر بالضبط) التي قتل فيها خمسون منهم، أو أو أو. يمكن أن أعدد لكم الكثير من الأحداث التي لاداعي لذكرها هنا.
قد تقولون طيب متى يمكن لهذا اليوم أن يكون؟ أقول لايوجد جواب محدد وإنما اقتراح منطقي بعيد عن العواطف والتعصب لمنطقة دون أخرى. إنه اليوم الذي بدأت فيه المناداة بالحقوق الأساسية للانسان السوري، وهذا الرأي المقترح يتلخص كما يلي:
لقد كانت هناك إرهاصات للثورة منذ فترة طويلة على مستوى سوريا ككل بغض النظر عن المناطق وكانت هناك أعمال تتم في الخفاء من أجل التغيير في كل مناطق سوريا كدمشق وحلب ودرعا وحمص وحماة وغيرها، ولكن أهم جهد منظم تم من أجل القيام بثورة كان عندما دعا شباب من خلال صفحة على الفيس بوك اسمها "الثورة السورية ضد بشار الأسد 2011" وقد تم تحديد الموعد الانطلاق بهذه الثورة يوم 15 آذار 2011 أي ساعة الصفر. وعندما جاء هذا الموعد حدثت استجابة ولو بسيطة لهذه الدعوة وهذه الاستجابة تختلف عن مظاهرة الحريقة العفوية غير المنظمة والتي لم تندرج في إطار مشروع الثورة.
إذا لدينا مشروع ثورة تم تحديد تاريخ بداية له ب 15 آذار 2011 وفعلا حصلت استجابة (ولو بسيطة) وتم تغطية هذه الاستجابة إعلاميا بالتصوير من قبل أناس شاركوا بتنظيم هذه الاستجابة (المظاهرة) وتم نقل هذا الحدث إلى الخارج (عمل منظم وليس عشوائي). وبعد ذلك بدأت كرة الثلج تكبر وتنطلق من منطقة إلى آخرى

إن الدعوة للثورة على الفيس بوك من خلال صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد تتميز عن غيرها من الأحداث هو أنها تحمل في طياتها مفاهيم الثورة، فمثلا في الحريقة كانت المظاهرة عفوية ناتجة عن تصرف أرعن من شرطي ضد مواطن مما استفز الغضب عند الناس فنادوا الشعب السوري مابينزل وكذلك وقفة الأمهات أمام وزارة الداخلية في دمشق يوم الأربعاء السادس عشر من آذار كانت لإطلاق سراح أبنائهم وليس طلبا لحرية شعب
وبناء عليه أقول من الملاحظ أن دعوة الشباب على الفيس بوك لم تكن مناطقية وإنما كانت على مستوى الوطن وهذا يجعلها ثورة وطنية وليس ثورة منطقة،
كذلك نرى أن المطالب التي كانت مطروحة من خلال صفحة الثورة السورية كانت إنسانية (حرية، كرامة، عدالة، مساواة) فهي إذا ثورة ضد الظلم الواقع على سوريا وليست مطلبية من أجل غذاء أو كساء أو مسكن لفئة من الشعب.
ولهذا نجد أن أول مظاهرة خرجت في سوريا على الاطلاق ونادت بحق من الحقوق الأساسية للإنسان السوري (الحرية) كانت المظاهرة التي خرجت في دمشق يوم 15 آذار 2011 حيث كانت أول كلمة يقولونها كشعار "حرية، حرية، حرية"

فإذا خرجنا من النطاق الضيق المناطقي والمطلبي إلى المجال الواسع والذي هو الانسان السوري وحقوقه الأساسية فإننا نرى أن بداية الثورة للمطالبة بالحقوق الأساسية كان فعلا يوم 15 آذار 2011 والذي قبله كان إرهاصات ومابعده هو مراحل تطور الثورة
أعود إلى التأريخ الهجري، لقد اختار الصحابة عام الهجرة لأنه كان الحدث الذي بدأت فيه الدولة الاسلامية في التشكل وليس الدعوة الاسلامية، فالدعوة بدأت عندما نزل جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء أما الدولة فبدأت عندما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة

تعليقات

  1. في الحقيقة إن التاريخ الفعلي لبداية الثورة السورية هو محل تساؤل و سيبقى كذلك لفترة طويلة، فهذا الشرف العظيم الذي يريد الجميع أن ينسبه إلى نفسه يستحق ذلك، فليس بعد هذا الفخر فخر و ليس عقب هذه الشجاعة شجاعة أخرى تدانيها، و يحق لكل من يظن في أفعاله الأثر الكبير لإيقاد الثورة أن يدافع عن حقه في نسبة هذا الفعل إلى نفسه.
    سيجادل الكثيرون أن بداية الثورة السورية كانت مع الصفعة التي تلقاها الشاب التونسي في بو زيد و أن تسلسل الأحداث الذي انطلق تالياً هو وليد هذه الصفعة.
    كما سيجادل الكثيرون أن بداية الثورة السورية كان مع الدعوات المتلاحقة التي ملأت الفيس بوك مع بدايات آذار، و ما تلاها من تجمعات في مناطق متفرقة من دمشق و يحددون الخامس عشر من آذار تاريخاً لذلك.
    و سيجادل البعض حتى أن بذور هذه الثورة قد كانت مع الانتفاضة الشعبية التي تزعمها الإخوان المسلمون في مطلع الثمانينات الميلادية.

    و سيتفق أغلب الثوار على الأرض و خصوصاً في درعا و حمص و ادلب أن الثامن عشر من آذار هو التاريخ الحقيقي لانطلاق الثورة، كما أن درعا هي المهد و المنطلق لهذه الثورة .
    و طبعاً لكلٍ من أصحاب الآراء الواردة أعلاه الحجة و المنطق للدفاع عن رأيه و التمسك بموقفه، و يمكن اعتبار هذه الآراء تملك ما يكفي من الأسباب الصحيحة لإعلاء هذا المنطق، و لكنني فيما يلي سأقدم رأياً مخالفاً لرأي الأغلبية و يحمل من الأصالة و المنطق ما يكفي لكي أعبر عنه.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

الفرق بين الثائر والمعارض