وكيف لنا أن ننسى



على مدى مايقرب من خمسة أشهر كنا ننام يوميا على أصوات الرصاص وانفجارات القذائف التي تتوقف عند اقتراب الفجر فنعلم أن يوما جديدا مايلبث أن يبدأ. لكن فجر يوم الثلاثاء أتى ولم يتوقف صوت الرصاص والانفجارات ولاح ضوء الصباح ومازال مستمرا فأدركنا أن هناك شيئا ما غير روتيني يحدث، توقعنا أنه نوع من أنواع منع التجول لعدة أيام فهذا أمر تعودنا عليه في السنتين الأخيرتين.

عندما اقتربت الساعة من العاشرة ذهبت أختي متسللة على أطراف أصابعها إلى باب الدار الخارجي ووضعت أذنها على الباب تتلمس أصوات وشتائم الجنود وحركتهم ولكنها لم تسمع شيئا، نظرت من شق في طرف الباب علها تراهم فربما كانوا بعيدين، لاأثر لأي منهم.
عادت وقالت لنا هناك شيء غريب. مافي حس لجندي في الشارع. نظرنا إلى بعض نظرات استغراب ودهشة فهذا شيء لم نتعود عليه في مثل هذه الظروف.

إذا عزلنا أصوات الرصاص والانفجارات فلا يبقى إلا صمت كصمت القبور لكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.

استعذنا بالله من الشيطان الرجيم ومن الشر الكبير القادم الذي استشعرناه بحاستنا العاشرة التي طورناها على مدى أكثر من سنتين من التعامل مع هذا العصابة المجرمة

طبعا لاتوجد كهرباء وخطوط الهاتف لاتعمل ولذلك كنا مقطوعين عن العالم الخارجي وبما أننا تعودنا على أن إطلاق الرصاص يعني منع تجول فقد مكثنا في "البيت الفوقاني" وهي التسمية التي كنا نطلقها على غرفة المعيشة، حيث كانت غرفة مرتفعة بمقدار أربع درجات عن مستوى صحن الدار وكانت مبنية فوق قبو للتخزين في بيت عربي قديم تم بناؤه عام 1101 للهجرة.

قضينا اليوم والليلة التي تليه على هذه الحال - رصاص وانفجارات - منقطعون عن العالم الخارجي حتى صباح اليوم التالي الأربعاء

وهكذا انقضى يوم الثلاثاء الثاني من شباط لعام 1982. الذي كان بداية لمجازر لم يذكر التاريخ لها مثيلا في بشاعتها وشناعتها وفظاعتها والتي تعتبر من أكبر مجازر العصر الحديث. وكان هذا اليوم هو أسهلها وأبسطها وليت كل الأيام التي تلته كانت مثله

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

الفرق بين الثائر والمعارض

متى بدأت الثورة السورية