حوار أم مناظرة


يجلس مجموعة من الناس ويبدأ النقاش حول موضوع ما وبعد فترة تبدأ الأصوات بالارتفاع كل واحد يريد أن يثبت أن رأيه هو الصواب ورأي غيره هو الخطأ، وفي سبيل ذلك يجند كل إمكاناته العقلية وقدراته البيانية من أجل أن يثبت ذلك وتراه يأتي بما يظن أنها أدلة على صحة رأيه لدرجة أنه يهاجم رأي الطرف الثاني وينعته بعدم الصواب وإذا واجهه الطرف الثاني بمنطق يرد عليه بالتسفيه فيقول له هذا كلام نظري والواقع غير. إذا شهدت مثل هذا المجلس فاعلم أنك تحضر مناظرة وليس حوار
فما هو الفرق بين المناظرة والحوار؟
سوف أبدأ بتوضيح المناظرة ثم أنتقل إلى توضيح مفهوم الحوار
المناظرة تهدف إلى إثبات وجهة النظر أو الرأي الذي يحمله المناظر. إذا الهدف منها تأكيد وجهة نظره وأنها هي الصحيحة ولايمكن أن تحمل ولو نسبة بسيطة من الخطأ، لكأني بالمناظر يقول "رأيي صواب كامل ولايمكن أن يحتمل الخطأ بأي شكل من الأشكال ورأي مناظري خطأ بالكامل ولايمكن أن يحتمل الصواب بأي شكل من الأشكال. رحم الله الشافعي ماأجمل كلمته عندما قال "رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
من خصائص المناظرة أنها تعمل على وتر العاطفة والمشاعر كالحب والكره والتعاطف مع الحالات الإنسانية ولاتستخدم العقل إلا في حدود الإتيان بالأدلة المنطقية التي تدعم وجهة النظر. أي أن العقل مسخر في هذه الحالة لإثبات وجهة النظر وليس للتفكر من أجل الوصول إلى الحقيقة.
لذلك نرى أن مخرجات المناظرة رأيان متناقضان كل رأي يمثل طرف ونرى نتيجة لذلك مجموعتان مناصرتان، كل مجموعة تناصر المناظر الذي رأت أن حجته أقوى وليس لأن الحق معه.
الملخص: إن المناظرة لاتسعى إلى الوصول إلى الحق بقدر ماتسعى لإثبات وجهة نظر يرى حاملها أنها هي الحق

أما الحوار فإنه مختلف تماما فهو عملية تجري بين الأطراف التي تحمل تصورات مختلفة تهدف إلى تقريب وجهات النظر والوصول إلى الحق الكامل إن أمكن وإلا فيكفي أن تخرج بشيء مشترك بين جميع الأطراف. لهذا نجد أن الحوار يبدأ بأن يطرح كل طرف وجهة نظره ثم يتم أخذ كل وجهة نظر وتحليلها إلى عناصرها الأساسية ثم يتم فحص كل عنصر من هذه العناصر ومدى مطابقته أو مخالفته للمنطق العقلي. فإن طابق يتم تبنيه من الجميع وإن خالف يتم إهماله. طبعا هذه العملية تفترض أن كل طرف دخل الحوار بعقلية منفتحة قابلة لأن تتحرى الحق وتقبل به، فرأيي صواب يحتمل الخطأ، وليست ذات عقلية مغلقة ومقفلة لا أقبل أن يشكك أحد برأيي، فرأيي صواب لايحتمل الخطأ بالمرة.

من خصائص الحوار أنه يحاول أن يُعمِل (يشغل) العقل ويستدعي آلية التفكير والتحليل والاستنباط فهو يوظف العقل للوصول إلى الحقيقة وليس إثبات الرأي، وبما أن العقل هو سيد الموقف فإن الهوى الذي هو مفسدة الآراء قد تم تحجيمه

لذلك نرى أن مخرجات الحوار هي رأي مشترك جديد أقوى من رأي أي طرف من الطرفين منفردين لأن الشوائب قد أزيلت من الرأيين وبقي الصحيح من كل رأي والذي تجمع في رأي صائب موحد

من كل ماسبق نستنتج أن المناظرة لاتنفع لوضع خطة أو مشروع لتطوير المجتمع والانتقال به إلى وضع أفضل بينما الحوار يمكن أن يفعل. ولهذا نجد أن أي مؤسسة ترغب في وضع مشروع لإنشاء أو بناء شيء تبدأ باجتماعات تسمى العصف الذهني أو التفاكر (brain storming) قبل البدء بوضع خطة للمشروع حيث يطرح المجتمعون أفكارهم وآراءهم ومن ثم يتم فحص هذه الآراء بطريقة الحوار.
تخيلوا أن يتم التفاكر بطريقة المناظرة وكل واحد متشبث برأيه! لاأظن أننا كنا سنرى المشاريع الضخمة التي تقوم بها المؤسسات والأمم

من أجل ذلك نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد رغب في ترك المراء حيث قال:
" أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خُلُقَه"
فما هي حقيقة المراء المراء المنهي عنه؟ من أجمل ماقرأته في تفسير هذا المراء هو التالي:
"طعن الإنسان في كلام غيره؛ لإظهار خلله واضطرابه، لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيته عليه. وإن كان المماري على حق ، فإنه لا يجوز له أن يسلك هذا السبيل؛ لأنه لا يقصد من ورائه إلا تحقير غيره والانتصار عليه"
انتبهوا إخواني إلى كلمة "وإن كان محقاً" فهي تعني الكثير

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

الفرق بين الثائر والمعارض

متى بدأت الثورة السورية