الزواج باللاجئات السوريات وكيف تم تضخيمه
بين الفينة والأخرى يركز السوريون الذين في الخارج بالذات على قضية محددة ونجد أن كل إمكانياتهم وكفاءاتهم تبدو وكأنها منصرفة عليها.
الملاحظ أن معظم هذا التركيز يأتي من السوريين في الخارج وليس الذين في الداخل، فالذين في الداخل لديهم همومهم ومشاكلهم التي تأخذ كل وقتهم وتركيزهم ولاتدع لهم مجالا لمشاكل وقضايا أخرى تحدث في الخارج.
لماذا يحدث هذا ياترى؟
لقد عانى السوريون من المنع في كل شيء لسنوات طويلة على يد نظام مجرم ظالم استبدادي. فخرج جيل لايعرف كيف يعبر عن نفسه وكيف يشارك في الحياة الاجتماعية وكيف ينتقد الخطأ فما بالك بتقدير حجم المشكلة.
الذي يحدث هو أن هذا الشعب كان في قمقم وخرج منه فهو يتحسس طريقه ويحاول أن يمارس الإمكانيات والقدرات الجديدة التي اكتشفها في نفسه. بالضبط كالذي يكون محبوسا من وقت ولادته في غرفة إضاءتها محدودة وتتيح له مساحة محدودة من الحركة ومعرفته وممارساته حدودها هي حدود الغرفة، وفجأة تخرجه إلى العالم الواسع. فأول شيء تعمي بصره الإضاءة القوية إلى أن يتعود عليها، ثم يجد أمامه طرق كثيرة ومنعرجات ومطبات ومباهج ومآسي ومطلوب منه أن يتعامل معها كلها فجأة.
يحتاج الانسان وقت لكي يتأقلم مع الحياة الجديدة ولذلك يجرب ويحاول أن يصنع شيئا فيخطئ ويتعلم ويصحح مساره ثم يخطئ في أمر آخر ويتعلم ويصحح مساره إلى أن يصل إلى الإتقان في العمل.
سوف أعطي مثالا بسيطا الكل اطلع عليه "نقل الأخبار قبل التأكد منها". في السابق لم يكن مسموحا في سوريا تناقل الأخبار حتى عن طريق المشافهة، فالسوري كان مرعوبا من أن يشي به مخبر فيصبح في خبر كان. وفوق ذلك فإن النظام خرب المنظومة الاعلامية في البلد ولم يدع فيها إلا الركام. لذلك لم يتعلم السوري كيف يتعامل مع الأخبار لأنه أصلا لم تكن هناك أخبار فكل أيام السوري كانت متشابهة من حيث المعاناة المعيشية واستلاب الشخصية فكل أيام السجين المقهور متشابهة.
خرج السوري من السجن فوجد أخبارا تتدفق ووجد نفسه في وسط هذه الأخبار، ولأنه لايملك خبرة في التمحيص والتدقيق والتوثق من نقل الأخبار فقد بدأ ينقل ماهب ودب. ودخل في دائرة التصفية والترقي في هذا المجال:
أنشر فإن وقعت في خطأ فتعلم وصحح وهكذا إلى أن أصبح حذرا جدا في نقل الأخبار.
وقد حدث معي منذ عدة أيام أن نشرت خبر عملية مطار تفتنار بعد أن تأكدت منها وبدأت أراقب كيف ستكون الاستجابة لها. لم يضع أحد لايك أو علق أو شارك بنشرها. بعد نصف ساعة نقلت الخبر مباشرة عن إحدى الصفحات الموثوقة فبدأ البعض بوضع لايك على استحياء. ثم بعد ساعتين جاء الخبر عاجل على الجزيرة فنشرته على صفحتي. فبدأ البعض يناقشي بصحة الخبر. بعد أن نشرت الخبر عدة مواقع موثوقة ووكالات أنباء عالمية بدأت اللايكات والتعليقات والتكبيرات.
بعد كل هذه المقدمة ماأريد قوله بأننا نحن السوريين الآن نجعل من الحبة قبة بخصوص كل خبر إيجابيا كان أم سلبيا وهذا أمر طبيعي ويمكن تفهمه، فنحن مازلنا في بداية طريق الحرية ونحتاج وقتا لكي نتعلم أمورا كثيرة فاتتنا ولم يكن المجال متاحا لنا لنتعلمها.
أخيرا أقول بأن قضية دعوات زواج غير السوريين أو العرب من سوريات لاجئات خارج سوريا هو من الأخبار التي كانت حبة فتحولت إلى قبة كبيرة معكوسة مليئة بالماء الآسن. فهي إن صحت من الأساس فهي أمر فردي وجد من ينشره ووجد من يستغله أسوأ استغلال، ولأن السوريين مازالوا في طور التعلم فقد عملوا منه قبة.
فهل نستطيع أن نصحح المسار ونفقأ البالون المنفوخ لكي نعيد هذه القضية (إن كانت موجودة) إلى حجمها الطبيعي
أتمنى ذلك
تعليقات
إرسال تعليق