لماذا تختلف صور الأشياء في أذهان الناس


مقالة طويلة ولكن أرجو أن يكون فيها فائدة ... جزاكم الله خيرا على قراءتها

تساءل صديقي زياد وكتب: "باعتقادي انه من الطبيعي ان يرى كل فرد بطريقة تختلف بنسبة ما عما يراه الاخر وهذا لاينفي امكانية التطابق في الرؤيا احيانا. ولكن لماذا برأيك يا تُرى يرى الأخ الحبيب معاوية غير ما أراه احيانا؟؟؟ من يرى بطريقة اصّح ؟ انا ام انت؟"

سأصوغ سؤاله على الشكل التالي:

لماذا تختلف صور الأشياء في أذهان الناس؟  وأي صورة من هذه الصور هي الأقرب إلى الصواب؟

في الحقيقة أن هذا السؤال شغلني كثيرا في السابق وقد وجدت الجواب عليه منذ زمن طويل ولكن لم أكتبه وسوف أحاول أن أكتبه الآن بطريقة سلسة وأتمنى أن أوفق في ذلك. أقول:

كل منا ذهب إلى حديقة غناء في يوم من الأيام وشاهد مناظر الطبيعة الجميلة فيها. لو وقفنا عند منظر محدد من هذه المناظر وسألنا عدة أشخاص شاهدوا هذا المنظر من أماكن وأزمان مختلفة وقلنا لكل واحد منهم صف لنا المنظر وقل لنا رأيك فيه. سوف نجد إجابات مختلفة. كل واحد سوف يصف المنظر كما رآه من المكان الذي هو واقف فيه وبذلك نجد صور مختلفة انطبعت في أذهان المشاهدين.

إن شكل الصورة المنطبعة في ذهن الانسان وطبيعتها وتفاعله معها تختلف من إنسان لآخر حسب المعطيات المتوفرة لدى هذا الإنسان.

الإنسان يختلف عن جميع المخلوقات بما يسمى الوعي. بينما الحيوانات تتعامل مع الأشياء بما يسمى الإدراك.

عملية الوعي هي عملية يقوم بها العقل لمعالجة المعطيات أو المعلومات المتوفرة لديه بناء على معارف مسبقة موجودة عنده ونتيجة هذه العملية تكون صورة أو رأي يتشكل في ذهنه وربما يتخذ قرارات على أساسها.

من هذا التعريف نجد أن لدينا ثلاث عناصر أساسية لازمة لتشكيل الصورة أو الرأي في الذهن
العنصر الأول هو المعارف المخزنة لدى العقل
العنصر الثاني هو المعطيات أو المعلومات المتوفرة عن الحدث أو الشيء
العنصر الثالث هو عملية المعالجة أو الوعي

كل عنصر من هذه العناصر تندرج تحته تفاصيل كثيرة، ونوعية وطبيعة هذه التفاصيل تساهم في تشكيل الصورة أو الرأي

نعود لمثال المنظر الطبيعي ونحاول تطبيق هذه العناصر الثلاثة عليها:

كل شخص لديه معارف مسبقة عن شكل من أشكال المناظر الطبيعية اكتسبها خلال حياته. فهو يعرف الشجرة والزهرة واللون الأخضر والماء ويستطيع أن يميز الجميل منها، وهو يعرف أصوات العصافير والبلابل وهو يستطيع أن يميز الأصوات العذبة من الناعقة، وكذلك يعرف أن يميز بين الروائح الجميلة والنتنة

نأتي إلى المعطيات حيث ذهب إلى الحديقة وشاهد المنظر الطبيعي وسمع الأصوات وشم الروائح، يضاف على هذا المكان الذي ينظر منه أو زاوية النظر والزمان الذي شاهد فيه المنظر، فالربيع يختلف عن الخريف والشتاء والصيف، والصباح يختلف عن الضحى والغروب والليل.

أما عملية المعالجة فهي كيفية التعامل مع هذه المعطيات انطلاقا من المعارف المسبقة. وهنا توجد آليات في العقل تحكم هذه العملية. هنا نجد أن هناك عاملا خطيرا يؤثر في عملية المعالجة ألا وهو الوجدان أو القلب أو العاطفة. إذا سمحنا للقلب أن يتدخل زيادة عن الحد المسموح به في عملية المعالجة العقلية للأمر فإننا بذلك نكون قد سمحنا للهوى بتحديد شكل الصورة بغض النظر عن المعطيات الحقيقية. فمثلا ربما كان للشخص تجربة محببة حدثت له في مكان مشابه للمنظر الذي يصفه، كأن يكون قد غازل حبيبته في مكان مثله، فتتداعى هذه الذكريات الوجدانية لتصبغ المشهد برمته ويصبح المكان الموصوف جنة الله في أرضه. إن استخدام الوجدان في وصف المشاهد الجميلة أو حتى القبيحة لابأس به ولكنه يبقى مبالغة لاتضر. أما إذا أدخلنا الوجدان والعاطفة بأمور إجرائية أو عمليات إدارية فإننا بذلك نعطي رأيا بعيدا عن الصحة.

فمثلا إعجاب المحبوب بحبيبته هو عمل وجداني خالص فهل من المنطق سؤال المحبوب لماذا تحب حبيبتك؟ لا طبعا لأن المنطق هو عمل العقل والحب هو عمل القلب.

من هذا المنطلق لاتستطيع أن تفسر عقليا لماذا يعبد البعض إلها يرمز له بالبقرة أو إلها يرمز له بإنسان.

وبسبب الوجدان أو العاطفة لاتستطيع أن تناقش وتحاور "متعصبا" لزعيم أو فكر أو اتجاه أو تيار أو تنظيم أو جماعة.

لنأخذ مثالا حدث قريبا في سوريا ألا وهو مايسمى بيان الكتائب المقاتلة في حلب والذي أعلن المجتمعون فيه بأنهم يسعون إلى فرض دولة اسلامية في سوريا.

ردود الفعل على هذا الحدث كانت مختلفة ويمكن ذكر بعض من هذه الاستجابات كالتالي:

الاستجابة الأولى: رفض قيام دولة اسلامية في سوريا بالكامل
الاستجابة الثانية: رفض فرض الدولة الاسلامية، وإنما الدولة إن كانت ستكون اسلامية فهي باختيار الشعب
الاستجابة الثالثة: رفض البيان لأن الوقت ليس وقته والأولوية الآن لإسقاط النظام وبعده لكل حادث حديث
الاستجابة الرابعة: الدفاع عن البيان وأن من حق كل سوري أن يقول رأيه
الاستجابة الخامسة: الدفاع عن قيام الدولة الاسلامية بالقوة، أي تأييد ماجاء في البيان
الاستجابة السادسة: ماهكذا تورد الإبل وفي الأساس الدولة هي الدولة فقط، ولايمكن وصفها بإسلامية أو علمانية أو دينية أو لادينية. لأن هذه الأوصاف ليست من لوازم الدولة

دعونا نحاول تطبيق عملية الوعي على هذا الموضوع
أولا: المعلومات أو المعطيات المتوفرة في نسختها الأصلية (الفيديو) كانت واحدة ولااختلاف فيها وإنما حصل الاختلاف في المعطيات عندما تناقلها الناس وأخذها فلان عن فلان. ولذلك سنجد بعض من الناس أطلق أحكامه بناء على ماوصله عن طريق العنعنة وليس من المصدر الأصلي. وربما تم تحريف هذه المعلومات

ثانيا: لو نظرنا إلى هذا الاستجابات فسوف نجد أن أصحاب كل واحد منها لديه معرفة مسبقة ما مختلفة عن المعارف المسبقة عند الآخرين. حيث نجد فيهم من يملك معارف بسيطة جدا ومحدودة عن مفهوم الدولة الاسلامية ومن يملك معارف غزيرة عن مفهوم هذه الدولة، ومنهم من يملك معارف مشوهة عن هذا المفهوم

ثالثا: عملية المعالجة نفسها، نجد فيها أن الوجدان أو العاطفة أو القلب قد تدخل كثيرا فيها عند غالبية من استجاب لهذا الحدث. فهناك من يحب الإسلام وهناك من يحب الجماعات الإسلامية وهناك من يحب الشخصيات الاسلامية. وفي المقابل هناك من يكره الإسلام وهناك من يكره الجماعات الإسلامية وهناك من يكره الشخصيات الإسلامية.

لذلك نرى أن الاستجابات كانت مختلفة لأن عناصر تشكيل الصورة كانت متنوعة ومختلفة أيضا

أما ماهو الصواب وماهو الأكثر إصابة. أو ماهو الصحيح وماهو الأكثر صحة فهذا أمر ليس من السهل تقريره. لأن الصواب والخطأ مفهومان لايمكن تجريدهما وإنما يجب أن ينسبا إلى معيار للقياس أو مايسميه البعض مرجعية.

هنا نجد أن هناك مرجعيتان رئيستان في الساحة. الأولى المرجعية الوضعية وهي التي يعتمدها العلمانيون ومحورها اختيار غالبية الشعب، والمرجعية الشرعية السماوية وهي التي يتبعها المسلمون.

فالمسلمون يقولون بأن الحسن هو ماحسنه الشرع والقبيح هو ماقبحه الشرع
والعلمانيون يقولون بأن الحسن هو مااختارته أغلبية الناس والقبيح هو ماقبحته أغلبية الناس

فكما نعلم جميعا أن من قتل نفسا بريئة عن عمد جزاؤه القتل عند المسلمين. أما عند العلمانيين فجزاؤه مايراه غالبية الناس.

وأخيرا أقول لأخي زياد ماقاله الشافعي رحمه الله: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب

أرجو أن أكون قد أجبت عن السؤالين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

الفرق بين الثائر والمعارض

متى بدأت الثورة السورية