في مثل هذا اليوم ولدت من جديد


في مثل هذا اليوم الخامس من شباط/فبراير عام 1982 ولدت من جديد للمرة الرابعة
المرة الأولى كانت ولادتي الطبيعية وقدومي إلى هذه الدنيا

المرة الثانية كانت في خريف عام 1979 حيث خرجت في مظاهرة من مدرسة ابن خلدون وتم إطلاق الرصاص علينا واعتقلت ثم خرجت، وكما يعلم جميع السوريين أن الداخل إلى السجن في سوريا مفقود والخارج مولود. كان عمري وقتها ثلاثة عشر عاما

المرة الثالثة كانت في شهر كانون الأول 1981 في الوقت الذي كانت فيه حماة محاصرة من قبل سرايا الدفاع والوحدات الخاصة وكانت منتشرة في كل شارع وزاوية. ذهبت لإحضار فتة حمص من عند الحمصاني وعند رجوعي إلى البيت حصلت مطاردة لأحد مقاتلي الطليعة المقاتلة وإطلاق رصاص وبما أننا متعودون على موسيقا الرصاص الدائمة فلم أعر الأمر اهتماما ولكني شاهدت رجلا يركض بالشارع، عندما وصلت إلى زاوية جامع المسعود وهممت بعبور الشارع لاحظت أن أبي كان واقفا على باب البيت من الداخل ويشير لي بالرجوع إلى الخلف والإحتماء بجدار الزاوية، ويقول بحركات شفتيه لاتعبر.
كانت المسافة بيني وبينه عرض شارع عمر بن الخطاب عند زاوية جامع المسعود. تسمرت في مكاني وإذا بوابل من الرصاص ينهمر قادما من جهة اليسار جهة شارع الثامن من آذار ورأيت بعض الرصاصات تصطدم بالأرض أمامي على بعد مترين. وهكذا أخطأني الرصاص وكتب لي عمر جديد

أما المرة الرابعة وهي التي حدثت في مثل هذا اليوم فكانت الأخطر على الإطلاق. فقد حدثت في الاجتياح الكبير لحماة وفي زمن المجازر التي لاتعد ولاتحصى وفي عصر استباحة المدينة.

وصلت قوات الجيش إلى منطقتنا في اليوم الثالث من شباط أي في اليوم الثاني لبدء الأحداث المروعة. بدأوا يطرقون الأبواب ويخرجون الشباب والرجال والأطفال الذين تجاوزت أعمارهم العاشرة ويرتكبوا المجازر بحقهم.

طرقوا على باب بيتنا وبما أننا كنا نجلس في أبعد غرفة عن باب البيت الخارجي في بيتنا العربي القديم لم نسمع الصوت إلا أختي قالت هناك طرق على الباب. فقلنا لها تهيؤات. قالت أختي الثانية أكيد هؤلاء يطرقون على الدبابة شكلها خربانة وعم يصلحوها. يبدوا أن الله ألهمها بهذا الجواب

في اليوم الثاني نفس الشيء ولكن كان الجواب طرق على الدبابة لاتردوا

في اليوم الثالث وكان تاريخه الخامس من شباط. كان الطرق قويا جدا لدرجة لايمكن تجاهلها. تجهزت النساء بالحجاب وخرج والدي لفتح الباب. فوجد أن الباب بلا قفل فقد حاولوا فتحه بإطلاق الرصاص عليه. ولم يبق الباب المصنوع من الحديد السميك بستينات القرن الماضي صامدا إلا بسبب "ناجور" ضخم صنعه لنا جارنا الحداد كمال قبل خمسة عشر يوما من الأحداث بعد إلحاح أمي على أبي لكي يركب ناجورا يحمينا من اقتحام القوات الخاصة المفاجئ. وقد أدى غرضه، رحم الله الحداد كمال

ماأن فتح الباب حتى دخل العلوج كالعاصفة الهوجاء يقطر من وجوههم اللؤم لأننا لم نفتح الباب إلا في اليوم الثالث. كانوا غاضبين بشكل غير طبيعي. انتشروا في البيت كله. قلبوه رأسا على عقب وسيل الشتائم والكفريات والضرب عالطاير لم يتوقف.

بعد أن انتهوا من التفتيش أو بالأحرى صناعة الفوضى والتدمير جمعوا الرجال منا في أرض الدار الخارجية وراء باب الدار حيث أن بيتنا كان فيه باحتان. فهو بيت قديم جدا بني عام 1101 هجري كما هو محفور في الحجر في صدر الدار.

أخرجونا نحن الخمسة، أبي وأخوي الاثنين وزوج أختي وأنا وصفونا على حائط البيت البراني ووجوهنا إلى الحائط. كنا بالبيجامات حفايا الأقدام وكان هناك ثلج خفيف جدا يتساقط ولكنه لايبقى على الأرض.

أمر الضابط جنديا بالاستعداد لإطلاق النار. تجهز الجندي ولقم الروسية ولكن جاء شخص إلى الضابط وكلمه همسا، فخرج الضابط لفترة من الوقت لم أستطع تبينها لأنني في تلك اللحظة كنت في عالم خيالي، فعندما تواجه الموت يعمل عقلك بطريقة غريبة. حيث تصبح خارج حدود الزمان والمكان ولايبقى لهما معنى كالذي نعرفه. سوف أتكلم عن هذه اللحظات في مقالة أخرى إن شاء الله

المهم بعد فترة لاأستطيع تقديرها عاد الضابط لكي يلقي سيلا من الشتائم القذرة والكفريات وكأنه قد خسر صيدا ثمينا ويقول "شكلها أمكم داعيتلكم ياكلاب"

علمنا فيما بعد أن الأوامر قد جاءت بإيقاف القتل في المنطقة، فعلى مايبدو أن ثلاثة أيام كانت كافية لكي يشبعوا من شرب دماء المئات من الأبرياء

أمرونا بالدخول، وقبل أن ندخل قال الضابط وين هادا تبع الصف العاشر. وكان يقصدني أنا، وهذه قصة أخرى من العذاب ربما أرويها لاحقا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

الفرق بين الثائر والمعارض

متى بدأت الثورة السورية