ياسادة نحن ساذجون
عندما كنت في الصف الخامس الابتدائي قال لنا الأستاذ أن العرب شعب ساذج. وعندما سألناه شو يعني ساذج أجاب قلبه طيب بينضحك عليه بكلمتين. عقلي الطفولي وقتها لم يستوعب المعنى جيدا ولكن بقيت الكلمة راسخة في ذهني.
عندما كبرت بدأت أفهم معنى كلمة ساذج حيث وجدت الناس تصفق لكل من يسمعهم الكلام الذي يطربهم ويعزف على وتر العاطفة في نفوسهم
استمعت لبعض من خطب عبدالناصر التي تندرج تحت الخطاب العاطفي الشعبي الذي يسعد الناس ولكنه لايعدو عن كونه كلام يدغدغ عواطف الناس
أنا نفسي دغدغت مشاعري الشعارات التي كان الناس يتداولونها في بداية الثمانينات من القرن الماضي بخصوص الخلافة الراشدة وكنت ساذجا
مرت الأيام والسنون وذهبت الشعوب في رقدة تشبه رقدة الأموات وظننت أن الحيوية قد ماتت فيهم وتوارت صفة السذاجة وتحولت إلى البحث عن المصلحة الشخصية والخاصة فقط على مبدأ ربي أسألك نفسي. وظهرت الأنانية لدى الناس ولاألومهم فكل واحد يجاهد لكي يحظى بلقمة العيش التي تسد رمقه ورمق أفراد أسرته ودخل في دوامة البقاء حتى يأتي الأجل المحتوم.. الموت
عندما قامت الثورات قلت في نفسي الحمدلله الذي أشهدني صحوة الذين كنت أظنهم ماتوا ومت معهم. ومضت الثورة السورية في عنفوانها وحيويتها وبدأ الناس يتكلمون ويشاركون بآرائهم بإيجابية وبدأ الفضاء يموج بالاختلافات والتعددية في الآراء وهذا في رأيي كله صحي.
لكن من بداية هذا العام بدأت ألاحظ أن عنفوان الأفكار والاختلافات والتفاعل بدأ يخفت لصالح الاصطفافات والتحزب والتعصب للأشخاص والتنظيمات وتحول الأمر إلى دفاع عن شخص مقابل هجوم عليه من الآخرين
وعادت صفة السذاجة تبرز من جديد
فإذا قام مسؤول بإلقاء خطاب ناري عاطفي وبصوت مرتفع تجد أنهم يصفقون له والعبارة التي أصبحت مشهورة "الله محيي أصلك لقد قلت الذي في نفسي" وكذلك "إيه هاه هيك بدنا ياك عطيهم بالعضم" وكأن معركتنا تحولت من حرب مع نظام فاسد إلى معركة إعلامية مع القوى الخارجية
وكأن زمن عبدالناصر قد عاد بخطبه النارية. لكن عبدالناصر كان على الأقل شاطر بالحكي والتحكم بنبرة الصوت ولم يكن صراخا زاعقا ناعقا وإن كان ضاحكا على الناس ومستهينا بهم ويقول لهم الذي يحبون أن يسمعوه
فمتى نستطيع أن نفرق بين الكلام الذي نحب أن نسمعه وبين الكلام الذي يجب أن يقال لكي نحصل على حقنا ونحقق مصلحتنا الوطنية ونأتي بالخير لهذا الشعب الثائر العظيم الذي ضحى بأغلى مايملك في سبيل الحرية
تعليقات
إرسال تعليق