وأمرهم شورى بينهم
"وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"
(تنويه: ماسيرد في هذه المقالة هو ماأراه أنا من خلال تدبري لكلام الله وليس علم أنقله. وجب التنويه حتى لايؤخذ على أنه علم ثابت)
من الآية نفهم أن الشورى ملزمة فهي واضحة وصريحة وعامة وليس فيها أي استثناء "أمرهم شورى بينهم" هكذا مباشرة وبسلاسة وبدون لف دوران. هكذا قرر لنا رب العالمين الذي خلقنا وهو الذي يعرف حقا ماذا يناسبنا كمجتمع إنساني
وأيضا هذه الآية تقرر أن المرجعية للشعب، فقد قرر الله تبارك وتعالى ذلك بكلمة "بينهم" أي يرجع الأمر لهم كلهم. فلم يختص بعضهم أو أحدهم في الأمر. ولو كان يريد اختصاص البعض بالأمر لذكرهم أو قال "منهم" أو "من بينهم". ولو كان مختصا فردا أو وظيفة أو منصبا لذكره
كذلك نلاحظ أن الآية تخص أمور المجموع وليس الفرد حيث جاءت أمرهم هم (الناس) وليس أمره هو (الإنسان) أو أمرك أنت يامحمد (ص)
كذلك بين الله تبارك وتعالى أن الأمر هو الأمور المتعلقة بالشأن العام المتعلق بالأمور المعيشية والدنيوية وليس الدين كالعقائد والعبادات والأخلاق، وأشار للأمور المعيشية والدنيوية ب "مما رزقناهم ينفقون".
فالعقائد والعبادات هي أمور فردية ولايصح أن يتم مثلا صناعة قرار يحدد من نعبد وكيف نعبده وكذلك لايصح أن يصنع قرار بأن يسمح بالكذب على سبيل المثال
أمرهم: أي الشأن الذي يخص الناس أو مجموعة من الناس حسب مستوى التنظيم الاجتماعي. فإن كان التنظيم الاجتماعي هو الدولة فهذا يعني الشأن الذي يخص جميع أفراد الشعب. وجملة "ومما رزقناهم ينفقون" تدل على الأمور المعيشية في هذه الدنيا أي كل شيء يلزم للإنسان لكي يستمر في الحياة ويحافظ عليها"
بينهم: بين أفراد المجتمع وكذلك المجتمع هنا حسب المستوى فإن كنا نتكلم عن الدولة فهذا يعني أن المجتمع هنا هو الشعب أي جميع أفراد الدولة
الشورى في اللغة: مصدر من شار العسل، أي استخرج العسل من الخلية. وفي الشأن العام الذي يخص أكثر من شخص هي استخراج الرأي الأنسب بتداول الآراء حول مسألة ما وفي شؤون الدولة والحكم هي
"صناعة القرار الأنسب لمصلحة الناس"
من الذي يحدد الأنسب للإنسان المنتمي للدولة؟ هنا نجد أن الآية قررت ذلك في كلمة "بينهم"
وهكذا يمكن أن نستخلص المبدأ التالي من الآية:
صناعة القرار فيما يخص شؤون الناس المعيشية والدنيوية في الدولة هي عملية استخلاص الرأي الأنسب فيما بينهم.
فإن رأوا أن الأنسب هو القرار (أ) فهذا يعني أنه القرار وإن رأوا أن القرار (ب) هو الأنسب فهو القرار
يبقى عندنا الآن تحديد آلية اتخاذ القرار.
في حال كان عدد أفراد المجتمع قليل كما كان مجتمع المدينة المنورة على زمن الرسول (ص) فإن الموضوع سهل فكما هو معلوم في المجتمعات الصغيرة يمكن ببساطة تحديد أهل الرأي ومعرفتهم فيؤخذ رأيهم مع ملاحظة أن كل إنسان بالغ عاقل يحق له المشاركة في صناعة القرار.
أما إذا كان المجتمع كبير كما نرى حاليا. ففي سوريا أصغر محافظة عدد سكانها قريب من المليون وموزعون جغرافيا فأي آلية يمكن اتباع
في هذه الحالة لاأرى مانعا من استخدام مايسمى "بالديمقراطية" كآلية لصنع القرار المتعلق بالشأن العام (أمور الناس المعيشية والدنيوية). حيث يتم اختيار ممثلين عن الشعب يكونون أهل الرأي لفترة محددة من الزمن. يقومون بعملية صناعة القرار ويبقى على السلطة التنفيذية إنفاذه وتنزيله على الواقع لأن الشورى ملزمة للسلطة التنفيذية
بالنسبة للديمقراطية يمكن تعديلها لكي تتناسب مع طبيعة سوريا الدولة والمجتمع ولاأرى ضرورة لأخذها كما هي من دولة أخرى وبيئة أخرى. لأن الديمقراطية هي تجربة إنسانية والتجارب الإنسانية لاتستنسخ عبر الزمان والمكان ولكن تستلهم وتعدل لكي تتوافق مع خصوصية المجتمع والدولة
وأخيرا إذا كانت أغلبية أفراد المجتمع هم صالحون فمن المؤكد أن القرار الأنسب سيكون متساوقا ومتوافقا مع صلاح المجتمع وإن كانت الأغلبية فاسدون فالقرار الأنسب سيكون متساوقا ومتوافقا مع فساد المجتمع. فكل إناء بما فيه ينضح وكما يعبر القول المشهور "كما تكونوا يولى عليكم"
فمخرجات عملية صناعة القرار تكون متوافقة مع مدخلاتها
هذا والله أعلم
تعليقات
إرسال تعليق