فكرة اليوم (5) ... الفارق بين النظرية والتطبيق

فكرة اليوم (5) ... الفارق بين النظرية والتطبيق

في عصرنا الحالي ظهرت أربعة نماذج لما يمكن أن نسميه "الدولة الإسلامية" تجاوزا، مع تحفظي على هذا المصطلح لأنني أعتبر أن الدولة هي مؤسسة، والمؤسسة هي وحدة تنظيمية إدارية، والوحدات التنظيمية ليست بجسم نام ناطق يتحرك بالإرادة كالإنسان الذي يدين بدين والمكلف بموجبه ولن تقف المؤسسة أمام رب العالمين بالآخرة للحساب فثواب أو عقاب

هذه النماذج الأربعة هي:

المملكة العربية السعودية
الجمهورية الإسلامية في إيران
جمهورية السودان
إمارة أفغانستان الإسلامية

كل واحدة من هؤلاء قامت ببناء مشروعها الإسلامي على فكر وفهم بشري مختلف من مكان إلى آخر

فالمملكة العربية السعودية نواة مشروعها الفكري ناتجة عن تحالف تحول فيما بعد إلى تزاوج بين السلطة القبلية العربية والحركة الوهابية التي طورت فكرا دينيا في صحراء نجد التي كانت منعزلة عن العالم

بينما نجد أن نواة مشروع الجمهورية الإسلامية في إيران هو مفهوم ولاية الفقيه الديني الذي كان يرفضه معظم مراجع المذهب الشيعي الاثني عشري على مر التاريخ والذي يعتبر أن هناك منصبا كهنوتيا يكون صلة الوصل بين الإمام الغائب صاحب الصفات الإلهية وبين الناس. هذا "الكاهن" يستمد سلطته من صاحب الصفات الإلهية واسمه الولي الفقيه

أما جمهورية السودان فقد تم بناء مشروعها على نسخة مطورة من مشروع الإخوان المسلمين والذي يعتمد في أساسه على مفهوم الولاية العامة الذي تطور في عصور سابقة وذلك بعد تحول الحكم في دولة المسلمين إلى ملك عضود. طبعا مفهوم الولاية العامة يعبر عنه "السلطان ظل الله في الأرض" أجمل تعبير. أي أن السلطان هو وكيل عن الله في حكم البشر

نأتي أخيرا إلى إمارة أفغانستان الإسلامية وهنا نجد أن مشروعهم قد قام على فهم خاص بهم للدولة ينفع أن يحكم قبيلة تعيش في أحضان الجبال عيشة بدائية بسيطة ومنعزلة بشكل كامل عن العالم سياسيا واجتماعيا وتكنولوجيا. فالنموذج الطالباني لم يكن له أي علاقة بالعالم المعاصر وإنما جاء من مجاهل التاريخ. ويعتمد على نسخة مشوهة من مفهوم أمير المؤمنين الذي يجب أن يكون الرئيس السياسي والإمام والعالم الشرعي ورئيس القوى الأمنية ورئيس القضاء ورئيس هيئة التشريع.

لو نظرنا إلى حال هذا الدول الأربعة لوجدنا أنها لم تحقق نهضة وبقيت على حالها من الناحية الحضارية وربما تراجعت إلى الخلف. حيث نجد أن الفقر مازال فيها ويتزايد والفساد يزداد تفشيا والإنسان فيها ضائع لايشعر بالأمان المجتمعي ويعيش في قلق من الغد ولايوجد استقرار نفسي لديه

لو جاء عالم اجتماع وأراد أن يقيم حال الإنسان في هذه الدول فما رأيكم سيكون تقريره؟

أترك الإجابة لكم لأن هذا ليس موضوع الفكرة. لكن باختصار أقول أنه من المؤكد سيقول بأن وضع "الإنسان" في هذه البلدان لايبشر بخير

لو أردنا أن ننظر نظرة استراتيجية للموضوع فإن الذي يخطر على بال المفكر الاستراتيجي بأن الذي أدى إلى هذا الحال الذي لايبشر بخير هو:

إما عيب في النظرية أو أخطاء فادحة في التطبيق أو الاحتمال الثالث الذي يجمع بين الأمرين ألا وهو عيب في النظرية أدى إلى أخطاء في التطبيق

نأتي هنا إلى إشكالية خلط الوحي الإلهي بالفكر البشري.
الإسلام لم يأتنا بنظريات ومنظومات واضحة المعالم للحكم أو للإدارة أو للاقتصاد أو للتنمية البشرية مثلا

الإسلام في مجالات المنظومات المجتمعية جاءنا بمبادئ عامة أعلى من المنظومات يمكن من خلال اتباعها ضبط عملية تطوير المنظومات المجتمعية. وترك لنا استنباط المنظومات لكي نُعمل فيها عقولنا ونطورها كمنتجات بشرية

إذا لم نفصل بين الوحي الإلهي والنظريات التي يطورها البشر فكأننا نقول للعالم أن الإسلام أخطأ في هذه الدول الأربعة

فإذا اجتهد عالم متخصص وأتى بنظرية الولي الفقيه أو الولاية العامة أو "لاحكم إلا لله" بخصوص منظومات الحكم فعلينا أن نشير بأن هذا هو معتقد هذا العالم وفكره واجتهاد وليس الإسلام

إذا فعلنا فإننا نكون بذلك قد حصّنّا ديننا من تهمة تخلف الناس في حالة تطبيقه

فالإسلام في حالة تطبيقه بشكل صحيح فإنه يساهم في رخاء الإنسان وهذا جزء من إيمان المسلم


كيف نطبق الإسلام بشكل صحيح؟ هذا له فكرة أخرى في يوم آخر إن شاء الله

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

الفرق بين الثائر والمعارض

متى بدأت الثورة السورية