الإسلاميون والافتراضات الخاطئة


مايرد في هذه المقالة هو رأي شخصي شكلته بعد نظر تحليلي قمت به لتكوين فكر الجماعات الإسلامية السياسية (الكينونة) وممارساتها عبر الزمن (السيرورة) والنتائج الهزيلة التي حققتها والأضرار التي ألحقتها بالمجتمعات المسلمة (الصيرورة) وساهمت في تأخر تنميتها. تستطيع أخي القارئ أن توافقني أو تختلف معي وهذا حقك كما من حقي أن أبدي رأيي بهذه الجماعات الإسلامية السياسية. فطالما أن هذه الجماعات تصدت للعمل العام فقد وضعت نفسها تحت مجهر الدراسة والتحليل والنقد الدقيق، وبما أنها وظفت الإسلام في ممارسة هذا العمل العام فهذا أدعى لأن يتم دراستها بتمحيص دقيق، فللإسلام سلطان عظيم على الناس ومن يريد أن ينفذ إلى المجتمع بهذا السلطان العظيم عليه أن يتوقع المراقبة والتدقيق والحوكمة 

كذلك أحب أن أوضح أمرا آخر قبل البدء في المقالة وهو التفريق بين الإسلام كما جاء من عند الله جهة وبين الفكر الإسلامي الذي أنتجه البشر من جهة ثانية وبين الجماعات الإسلامية وأفرادها من جهة ثالثة.
فالإسلام هو وحي الله، والفكر الإسلامي هو منتجات فكرية بشرية، وممارسات الإسلاميين هي أعمال بشر
-------------------------------------
بدأ فكر الخوارج بفهم خاطئ لرجل اسمه "ذو الخويصرة" في حياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام حيث اتهم رسولَ الله بعدم العدل في القسمة

ثم تطور إلى تيار فكري على عهد عثمان بن عفان الخليفة الراشدي الثالث حيث اتهموه بالظلم ومحاباة الأقارب

وتحول إلى جماعة مسلحة، أي شكل من أشكال التنظيم على عهد علي بن أبي طالب حيث اتهموه بالظلم لأنه قبل بالتحكيم بين طائفتي المؤمنين آنذاك

بُني فكر الخوارج على فهم خاص بهم يختلف عن الفهم السائد في مجتمعهم لبعض كلام الله. حيث وضعوا افتراضات بشرية من بنات أفكارهم لمفهوم "إن الحكم إلا لله"

افتراضاتهم التي وضعوها بخصوص مفهوم الحاكمية تتطلب بالضرورة وجود طبقة بشرية وسيطة بين عموم الناس وبين الله لكي يحكموا بالنيابة عن الله في الأرض، هذا الطبقة شبيه بطبقة الكهنة في الأديان الوثنية. وكان الاختلاف عن الكهنة كان في أمرين:

الأول: أن الطبقة الوسيطة في فكر الخوارج لها خاصية دينية (أي سلطة روحية) وخاصية سياسية (أي سلطة زمنية)، بينما الكاهن كان ذا سلطة روحية فقط وكان يتحالف مع السلطة السياسية أو يتعارض معها حسب المصلحة

الثاني: الكاهن كان وسيطا بين إله محسوس كالشمس والقمر والصنم، ويعرف الناس أن الأوثان لانستطيع التعبير عن نفسها. ولكن في حالة الخوارج الوضع مختلف

فالله الواحد الأحد الكامل الصفات الذي ليس كمثله شيء أرسل إلينا كتابا يكمن في آياته منهج لحياة الإنسان بصفته الفردية وصفته المجتمعية ويضبط إيقاع حياته في هذه الأرض

وقد خاطب اللهُ الإنسانَ بكل أشكاله وأنواعه في هذا الكتاب ولم يستثني أحد من الناس في هذا الخطاب

لكن عندما ننظر إلى الأفراد والتيارات والجماعات الإسلامية بدءا من ذي الخويصرة الخارجي ومرورا بكل مراحل التاريخ الإسلامي نجد نفس السلوك عند هؤلاء الإسلاميين بغض النظر عن درجة انحرافهم الفكرية ومجالات هذه الانحرافات

يتلخص هذا السلوك بما يلي:

أولا: فهم خاص مجتزأ وضيق وسطحي لآيات من كتاب الله يختلف عن السائد في المجتمع. وهم أحرار في ذلك

ثانيا: افتراض الحق والصواب في هذا الفهم ونفي إمكانية النقص والعيب والخطأ فيه. وهذا يؤدي إلى تعصب الأتباع لدرجة الانتحار في سبيل هذا الحق المزعوم

،ثالثا: محاولة فرض هذا الفهم على الآخرين على أساس أن هذه الجماعة هي الفرقة الناجية والتي تملك الحقيقة المنجية وعليه فالجنة لها حصرا وإذا مستها النار فليست سوى أيام معدودات

رابعا: نتيجة لما سبق فإن هذه الجماعة هي متميزة عن العامة وبالتالي ارتقت إلى درجة الوسيط بين الإله والبشر وعليه فهي التي تستحق الاستعلاء في الأرض على باقي البشر

خامسا: بما أنها تملك الحقيقة الإلهية، وهي المميزة، والناجية، والوسيطة بين الله والبشر، والفائزة بالجنة في الآخرة، فهذا أدعى لكي تفوز بالحكم في الدنيا وتهيمن على الأفراد والمجتمعات

سادسا: لتحقيق ذلك يمكن اتباع جميع الوسائل التي تساعد في تحقيق الهدف وإن كانت غير أخلاقية. فكما يوجد مفتي سلاطين يبرر للظالم ظلمه فهناك شرعي الجماعة يبرر لزعيمها غيه

سابعا: من الوسائل التي يشرعنها لها فقهاؤها وسيلة اللجوء إلى العنف من أجل الوصول إلى السلطة وفرض رؤيتها الخاصة على الناس والتحكم فيهم وإجبارهم على مايراه مفكروهم بأنه الحق، وكل هذا يحدث باسم الاسلام الذي يفهمونه هم وليس كما جاء في كتاب الله حسب الفهم السليم والعاقل لكلام الله.

كل هذه الافتراضات الخاطئة وغيرها كثير لايمكن أن تكون أساسا لمؤسسة تنظيمية صحية سليمة تستطيع أن تحقق العمارة في الأرض وبالتالي الاستخلاف فيها

لذلك إذا أرادت هذه الجماعات أن تصبح فاعلة بشكل إيجابي في المجتمع وتحقق مراد الله في استخلاف الإنسان في الأرض فعليها أن تعيد النظر في كل منطلقاتها الفكرية والأسس التي قامت عليها منظومتهم الفكرية وبالتالي منظومتهم التنظيمية

بعبارة أخرى لابد من عملية مراجعة شاملة ونقد حقيقي للأسس والأركان قبل الحوائط والجدران

فإن لم يفعلوا ذلك فسيقضون قرنا آخر يعفسون ويخبصون ويضرون أكثر مما ينفعون

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

الفرق بين الثائر والمعارض

متى بدأت الثورة السورية