العودة إلى القرآن

كنت عندما أقرأ في كتاب لكاتب قديم استغرب هذه العبارة:
روى فلان في سننه عن فلان عن فلان عن فلان أنه سمع النبي يقول: (ثم يضع الرواية)

كنت أقول في نفسي لماذا هذا التعقيد واللف والدوران وليقل حديث النبي يقول: (ثم يضع النص)

مؤخرا أدركت كم كان القدماء دقيقين في نقل الروايات المنسوبة بالنبي. لايريدون أن يضعوا في ذمتهم أنهم قالوا أن هذه الرواية هي فعلا من قول النبي لأنهم لايملكون دليلا قاطعا أن نبي الله قال ذلك

فكانوا يحيلون الأمر لمن ادعى أنه سمعه وهذا منهج علمي رائع

أولا: أسموها رواية ولم يسموها حديث لأنها ببساطة مروية
ثانيا: نسبوا كل عملية لصاحبها
فالناقل يقول: روى فلان1 في كتابه
وفلان1 ينسب الأمر لفلان2 الذي يقول أنه سمع هو منه. فالرواية على ذمة الذي قال أنه سمع، وفلان2 ينسب لفلان3 الذي يقول أنه سمع منه، وفلان3 يقول أنه سمع هو ولايقول أن النبي فعلا قال هذا، فربما سمع خطأ. وهكذا ينسب هذا الخطأ في السماع لنفسه وليس لقول نبي الله صلى الله عليه وسلم

دقة متناهية جئنا نحن ونسفناها وقدسنا ماقال فلان1 في كتابه

لشو نعقد الأمور؟ وعقولنا تربت على تسطيح الأمور واختزالها إلى حدين حادين مدمرين:

نحن على الحق وغيرنا على الباطل
نحن فسطاط الإيمان وغيرنا فسطاط الكفر
نحن أصحاب الحق الإلهي وغيرنا أصحاب الباطل البشري
نحن أهل الجنة وغيرنا أهل النار

الغريب في الأمر أن القرآن ذكر في بدايات سورة البقرة وبعد الكتاب الذي لاريب فيه والذي هو هدى للمتقين ثلاث فئات:

المؤمنون واختصهم بثلاث آيات
الكافرون واختصهم بآيتين
الذين في قلوبهم مرض وأفرد لهم ثلاثة عشرة آية

وبعد هذه الآيات كلها المتتالية يأتي الخطاب:

ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون

فالموضوع ليس حديا كما وقر في الأذهان المسطحة التي تختزل كل شيء في حدين وإنما عبارة عن خط عريض جدا بين حدين:

حد الإيمان .... الذين في قلوبهم مرض .... حد الكفر

حقا نحتاج لإعادة فهم القرآن الكريم بدون وسائط من أفهام البشر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل ندين الطائفة العلوية على إجرام النظام

الفرق بين الثائر والمعارض

متى بدأت الثورة السورية